المؤسسات بحث
مسرح وسينماتيك القصبة
الأهداف: -بناء وتطوير المهارات في مجال المسرح والسينما والفنون الأدائية. -نشر
المزيد>>
أخبار بحث
  • منح في مجال السياسات الثقافية - دعوة مفتوحة للتقدم آخر موعد للتقدم لمنح المبادرات... قراءة>>
  • تونس: انتحار الكاتب نضال الغريبي بسبب سوء الأوضاع المهنية والمعيشية أقدم الكاتب التونسي الشاب نضال الغريبي... قراءة>>
  • فلسطين: متحف من أجل فلسطين من باريس إلى القدس افتتح معرض "متحف من أجل فلسطين" يوم 9... قراءة>>
  • السودان: اختتام الملتقى التنسيقي السابع لوزراء الثقافة الولائيين وتدشين دنقلا عاصمة الثقافة السودانية اختتمت فعاليات الملتقى التنسيقى السابع... قراءة>>
  • الأردن: إخلاء مسرح البلد - بيان صحفي نشر مسرح البلد في الأردن بياناً صحفياً... قراءة>>
الأعضاء بحث
أيمن حلمي
مسئول برامج, المورد الثقافي
ترجم ثلاثة كتب للمركز القومي للترجمة، وعضو مؤسس بالعديد من المبادرات
المزيد>>


في الصحافة
الثقافة الرسمية في مصر.. في أسباب الفشل
Aug 2017

أسامة فاروق / المدن

30 تموز / يوليو 2017

 

قبل نحو خمسة أعوام من الآن، وقت الأحلام الكبيرة، والآمال العريضة، قابلت حمدين صباحي.. قابلته مرشحا ومنافسا حقيقيا، لا خيال مآته كما ارتضى لنفسه في المرة الثانية.

وقتها كان حمدين النجم الأبرز في أوساط الليبراليين.

كان رهان المثقفين عليه كبيرا، حتى مع إقرار المتابعين باستحالة نجاحه، كان الأمل أن ينفذ مرشح الثورة المقترحات الثورية وعلى رأسها إلغاء وزارة الثقافة، بعد ميراث طويل من التوجيه، ثم الاستقطاب، وجمع المثقفين في حظيرة الوزارة، لغض الطرف عن الفشل المزري في تقديم منتج يعيش ويبقى، أو حتى في الوصول للمواطن، المستهدف الحقيقي من العملية برمتها.

بعكس غالبية المرشحين وقتها كان يملك صباحي ورقة عمل حول الثقافة ودورها، كان يؤمن -أو هكذا بدا - بأنها الأساس الذي تنطلق منه نهضة المجتمعات، وبأن مصر هي قاطرة الوطن العربي "إذا ما ازدهرت ثقافتها ازدهر، وإذا ما انتكست انتكس" حسب ما يقول برنامجه الانتخابي، الذي امتلأ بالكلمات الكبيرة والشعارات الرنانة، قال إن الثقافة أصابها الانهيار نفسه الذي أصاب الدولة ككل وعانت من الانهيار وتآكل الدور وتجريف الإمكانيات وتضاؤل الأثر، لكن بقي فقط إسهامات المثقفين الفردية.

ورغم الدعوات الكثيرة التي انتشرت وقتها كان صباحي ضد إلغاء وزارة الثقافة واقترح ما أسماه بـ"المجموعة الوزارية" التي تضم داخلها وزارت التعليم والثقافة والإعلام  "فثقافة لا ترتبط بالتعليم هي ثقافة تحلق في الهواء لا تجني سوى وهمٍ، وكذلك تكون الثقافة بدون إعلام ينشر هذا الفهم ويؤكد على ذلك الإيمان".

المشروع البديل الذي اقترح وقتها كان يتضمن توزيع ما هو قائم بالفعل من مؤسسات وزارة الثقافة المختلفة، رغم الاعتراف بفشلها التام! من منطلق واقع مجتمعنا الذي مازال بحاجة إلى مؤسسات ثقافية –تابعة للدولة- تساعده على النهوض واستعادة الهوية الثقافية بعد التجريف العقلي والروحي الذي استمر طوال أربعين عاما متواصلة!

أما أهم ملامحه فكانت تبدأ بالمجلس الأعلى للثقافة، وهو الكيان الذي قام في السابق كبديل لوزارة الثقافة في عهد السادات، ثم أبقي عليه بعد عودة الوزارة ليصبح مجرد كيان مضاف لكيانات أخرى بلا دور حقيقي، خاصة وأن لجانه ليس لها أي سلطة تنفيذية أو رقابية علي الهيئات الأخرى، الأمر الذي حوله إلى منتدى يتحاور فيه المثقفون ولا تجد حواراتهم أي صدى في أي مؤسسة.

كان التصور الجديد يرى أهمية للإبقاء على المجلس ولكن بتأسيس وتشريع جديدين هما أن تخرج تبعيته من وزارة الثقافة، لتنضم إلى مكتب رئيس الوزراء وربما رئيس الجمهورية مباشرة، الأمر الذي سيعطيه سلطة أعلى تؤهل له حق متابعة مدى صدق تنفيذ ما اتفق عليه في لجانه المختلفة، الأمر الثاني أن تتشكل لجانه المختلفة من كبار المتخصصين في هذه المجالات الذين سيكون هدفهم هو التخطيط ومتابعة التنفيذ، على ألا يقوم المجلس بأية أنشطة ثقافية حتى لا تتعارض أنشطته مع الأنشطة الموكولة إلى المؤسسات التابعة لوزارة الثقافة، فدوره يقتصر علي التخطيط والمتابعة وكتابة التقارير التي ترفع إلى المكتب التابع له، كما أكد التصور على أهمية ألا ينضم إلى تشكيل المجلس أي من رؤساء الهيئات الثقافية التابعة للوزارة حتى لا يميع الهدف الرقابي.

أما عن الهيئة العامة لقصور الثقافة فكان الاقتراح أن تعود إلى مسماها القديم "الثقافة الجماهيرية" لأنه الأقرب لحقيقة دورها، وهو نشر الثقافة والإبداع في ربوع مصر، مع توفير  الإمكانيات لتقوم بهذا الدور، بإعادة بناء قصور الثقافة في المحافظات وترميم المتهدم منها، وأن تتاح فيها المكتبات والمسارح والسينما بشكل يجعل منها تجسيدا حقيقيا لمفهوم النشاط الثقافي.

بطبيعة الحال لم ينفذ أي من هذا، واستمر النظام القديم كما هو، ليس فقط لأن صاحب المقترحات لم يوفق، ولكن لأن الحلم الكبير نفسه فشل، كما ان إرادة المثقفين ضعفت أو ضاعت فتواضعت أحلامهم واكتفوا بتقديم مقترحات كل فترة ربما على سبيل إبراء الذمة، ولأن بعضهم مستفيد من استمرار الوضع كما هو فساهم في تكريس الفشل.

ومن وقتها وحتى الآن تعاقب على الوزارة أسماء كثيرة، لم تحقق انجازا ولم تترك أثرا، وطالتها الانتقادات نفسها، لأنهم في الحقيقة مجرد موظفين في أنظمة متشابة لا تعول كثيرا على الثقافة، تخلت حتى عن التصور القديم عن الثقافة باعتبارها وردة في جيب الجاكيت، وأصبحت لا تعول على الفكرة أصلا، ولا ترى أهمية تذكر لطنطنة المثقفين وحواراتهم الفارغة، بعضهم أدرك فانسحب، وآخرون كانوا من أنصار التغيير من الداخل، فظلوا حتى أطيح بهم، وبالطبع كان من بينهم الموظف الحقيقي الذي وجد في الوضع الحالي بيئة طبيعية حاضنة فاستكان وانتظر.

عشرات المقترحات قدمت منذ ذلك الوقت وحتى الآن لتغيير الوضع البائس، جمعتها مجلة "أحوال مصرية" في نسختها الأخيرة، منها: إستراتيجية مصر 2030، وإستراتيجية المنظومة الثقافية للدولة 2015-2030 التي شاركت فيها مجموعة كبيرة من المثقفين وترأسها د.جابر عصفور، فضلا عن رؤى وأفكار من واقع التجارب العملية لآخرين –حتى فاروق حسني نفسه- بمعنى أدق تقول المجلة أن هناك الكثير من الأفكار والمقترحات التي تشخص الواقع، وتطرح الحلول والبدائل، ولكن يبقى التساؤل الحقيقي هو كيف؟ كيف يمكن توفير شراكة حقيقية بين مؤسسات الدولة الثقافية والمنظمات الأهلية ومؤسسات رجال الأعمال التي تهتم بالثقافة، وهل هناك إرادة سياسية تغلف هذه الشراكة لتضع المشروع الثقافي ضمن مشروع حقيقي للنهضة؟

أبرز المقترحات التي قدمت في هذا الصدد كان المشروع الذي كتبه د.عماد أبو غازي أحد أسرع من مروا على وزارة الثقافة خلال الأعوام الماضية، وهو يتشابه في بعض ملامحه مع ما كان قد أشار إليه حمدين صباحي في برنامجه، لكن أهمية الطرح لا تأتي فقط من أهمية كاتبه الذي يعتبر من أعمدة الوزارة، لكن لأنه لا يغفل الوضع الحالي عقب الثورة، فبعد رصد طويل لحال الوضع الثقافي منذ إنشاء الوزارة في 58 يصل أبو غازي إلى اللحظة الحالية ليؤكد أن المرحلة السابقة على الثورة انتهت وهناك مجموعة من المشكلات الخطيرة على الساحة الثقافية، أهمها حالة الانقسام في الجماعة الثقافية المصرية حول السياسات الثقافية للدولة، كما انتهت بوضع يشوبه قدر كبير من عدم الثقة بين وزارة الثقافة وقطاع مهم من المثقفين، انتهت بوزارة تدعم الأنشطة الثقافية المستقلة، لكن دون رؤية واضحة أو منهج محدد أو سياسة ثابتة مستقرة.

انتهت أيضا بموازنة ضعيفة للثقافة، أغلبها موجه للأجور، ويُوزع القسم المخصص للأنشطة الثقافية بشكل غير عادل على مستوى الوطن، حيث تبتلع أنشطة العاصمة الجزء الأكبر منها، وببنية أساسية تشمل مئات المواقع الثقافية على مستوى مصر، لكن ما يقرب من نصفها متوقف عن العمل، والبعض منها يقوم على إدارته عناصر غير مؤهلة، أو معادية للثقافة والإبداع! وبمحصلة نهائية تقول إن الوزارة متضخمة بجهاز بيروقراطي يضم عشرات الآلاف من العاملين، الكثير منهم غير مؤهلين للعمل بالأجهزة الثقافية من الأساس.

في مقترحه يرى أبو غازي ضرورة دمج وزارتي الثقافة والدولة للآثار في وزارة واحدة مرة أخرى، كما كان الوضع منذ عام 1958 على أن يتحول المجلس الأعلى للآثار إلى هيئة عامة باسم "الهيئة المصرية العامة للآثار"، مثلما كان الحال قبل تحويله إلى مجلس أعلى للآثار في التسعينيات، يقترح أبوغازي أيضا دمج وزارة الشباب في وزارة الثقافة حتى تتم إدارة مراكز الشباب وقصور الثقافة وبيوت الثقافة والمكتبات التابعة لها من خلال جهة واحدة هي "الهيئة العامة للثقافة الجماهيرية".

أما باقي هيئات وقطاعات وزارة الثقافة فيقترح إعادة هيكلتها حتى تنفصل بعضها عن الوزارة نفسها، كالمجلس الأعلى للثقافة الذي ينبغي وفق رؤية أبوغازي أن يتحول إلى مجلس مشكل من أسفل إلى أعلى بشكل من أشكال الانتخاب من داخل الجماعة الثقافية، ومنظماتها المستقلة، بحيث يكون له استقلاله الكامل عن وزارة الثقافة –كما اقترح صباحي من قبل- ويتولى مهمة "التخطيط للعمل الثقافي ومراقبة أداء الهيئات الحكومية العاملة في المجال الثقافي"، لكن الغريب في هذا الطرح هو اقتراح أبوغازي أن يتولى هذا الكيان الجديد تسجيل الجمعيات الأهلية العاملة في الحقل الثقافي والكيانات الثقافية المستقلة وتقديم الدعم لها! وكأنها محاولة أخرى للهيمنة من قبل الدولة على المشروعات الفردية الناجحة أو التي تحاول تقديم منتجاتها الثقافية بعيدا عن يد الدولة.

يتضمن المقترح أيضا تحويل "أكاديمية الفنون" إلى جامعة قائمة بذاتها، وفصل دار الكتب والوثائق القومية إلى هيئتين مستقلتين عن الوزارة، واعتبار الأولى بمثابة "المكتبة القومية المصرية" والثانية "الأرشيف القومي لمصر". 

أما في ما يخص النشر فيقترح إزالة هذا العبء عن كاهل الوزارة، بحيث يتم دمج الهيئة المصرية العامة للكتاب والمركز القومي للترجمة في كيان واحد تحت مسمى "الهيئة العامة للكتاب" بحيث يتولى إصدار المجلات الثقافية فقط، ويتولى من خلال لجان استشارية وضع خطط للنشر والترجمة، وتسند مهمة إصدار الكتب لدور النشر الخاصة، وتتحول المطابع لتطبع ما تنتجه قطاعات الوزارة، إلى جانب العمل بشكل اقتصادي لتكون أحد مصادر تمويل الوزارة.

مقترح أبوغازي لا ينفي النشر في الوزارة بالكامل إذ يرى أن تستمر "مكتبة الأسرة" في عملها لتقوم بمهمتين، الأولى إصدار طبعات شعبية من كتب صدرت بالفعل، والثانية طرح مجموعة من العناوين في كل عام لتصدر من دور النشر المختلفة لكن بدعم من وزارة الثقافة، بحيث يصدر الكتاب بسعر مناسب للقارئ.

المقترح يقدم أيضا خططا تفصيلية لباقي قطاعات الوزارة، لكن كل هذا لن يكون مجديا إذا لم تتغير مفاهيم الدولة عن الثقافة، وكما يقول أبوغازي نفسه فكل ما يحتاجه الأمر "إرادة الإصلاح".

المبادرات كثيرة، وتجميعها مهم لكن قراءتها مرة واحدة أشبه بكابوس، فالإجماع على فشل المشروع الثقافي المصري تحت مظلة وزارة الثقافة يظهر في كل صفحة، والتلميح بنجاح المشروعات الأهلية والمبادرات الفردية يؤكد العجز ويوضح الغرض، الخلل واضح إذا، والعيوب ظاهرة، ومحاولات الحل تبدو كأطياف بعيدة لا سبيل للوصول إليها.


أضف بريدك هنا لتصلك نشرتنا البريدية.