عن "نكسة البترول" وحتميّة التغيير الثقافي في الجزائر..!
Jan 2016بقلم حبيبة العلوي
في خطوة جريئة وغير معتادة نظمّت جمعية الكلمة للثقافة والإعلام: "ندوة السياسة الثقافيّة الراهن والمأمول" في 1 كانون الأول/ ديسمبر 2015 بالمركز الثقافي عز الدين مجّوبي بالجزائر العاصمة، لمناقشة قضيّة "السياسية الثقافيّة في الجزائر"، وهي الجمعيّة التي عوّدتنا على السعي إلى الحفاظ على التوازنات المطلوبة في الانتصار إلى المجتمع المدني دون خسارة حبال الوصل والهيئات الرسميّة، وهي الجمعيّة أيضاً التي تحاول أن تنشط في قلب التجمعات الطلابيّة من خلال تنظيم نشاطات ثقافيّة متنوّعة مشفوعة بتكريمات لشخصيّات رسميّة كما حصل مع الدكتور محمد العربي ولد خليفة الذي كرّمته في نيسان/ أبريل من العام الماضي عشيّة تقلّده لمنصب رئيس المجلس الشعبي الوطني، ويبدو أنّ الجمعيّة قرّرت أن تساير ملامح الانفتاح الذي ظهر على خطاب الوزير الجديد للثقافة في الجزائر السيد "عز الدين ميهوبي" الذي وجد نفسه مضطراً إلى التقرّب من القطاع الخاص في الجزائر لإنقاذ المشهد الثقافي الجزائري من الإفلاس المداهم لو حصل وقرّرت الدولة سحب يدها عن دعمه إثر تداعيات انهيار سعر البترول، كما حصل في تسعينيّات القرن الماضي.
عزّ الدين ميهوبي الذي لم يعد يترّدد في ترديد مصطلحات نأى عن استعمالها سابقوه، كالاستثمار الثقافي والتنمية الثقافية، وضرورة إشراك القطاع الخاص في دعم الثقافة... ليصل إلى حدّ القول بأنّ دور وزارة الثقافة هو تأطير وتيسير الفعل الثقافي لا خلقه وبناؤه، الأمر الذي كانت الإدارات السابقة تضحده بمقولة "الرعاية السامية"؛ مهّد بخطابه هذا لانعتاق المعارضين الصامتين لسياسة الاستنزاف الثقافي التي حوّلت الجزائر إلى "بازارٍ ثقافي" كبير تمرّ عليه قوافل طفيليّي الثقافة ـ ماعدا استثناءات واجبة الذكر والتقديرـ المقتاتين من موائد الجزائر السخيّة في غفلة عن شارع جزائري غاب في الغالب عن أهمّ الفعاليّات الثقافيّة التي احتضنتها فنادق الخمس نجوم البعيدة والمؤمنة عن الاختلاط بالشوارع الخلفيّة للجزائر.
دُعِي إلى هذه الندوة العديد من الوجوه الثقافيّة فاعتذر البعض وحضر عبد العزيز غرمول الرئيس السابق لاتحاد الكتاب الجزائريين ـ الاتحاد المنكوب بالفرقة منذ سنوات ـ واسماعيل يبرير الروائي المتوج بجائرة الطيب صالح للرواية والناشر حسّان بن نعمان والكاتب أحمد شنّة. نشّط الجلسة الشاعر عبد العالي مزغيش ـ رئيس الجمعيةـ واتفق الجميع على أنّ الجزائر لا تمتلك ولم تطبق لحدّ الآن سياسة ثقافية واضحة وشفّافة ومدروسة تبني الفعل الثقافي في الجزائر دون مراعاة أمزجة الساسة وتقلبات سعر البترول، فالأزمة في الجزائر ليست تمويليّة بقدر ما هي معنويّة تتعلّق بإهدار الرأس المال البشري وعدم تثمين الطاقات الإبداعيّة وتفضيل ثقافة المهرجان الصائت الذي يبهرج الصورة ويضمر الثغرات المستفحلة.
إنّ تعالي مزيداً من الأصوات في الجزائر اليوم بمقولات ظلّ يتبنّاها عدد من المثقفين والفاعلين المستقلّين منذ سنوات كسراً لواقع الصمت حيال التسيير المريب للقطاع الثقافي في الجزائر والذي تكرّس لأكثر من عشريّة، ما هو إلا إعلان شبه رسمي عن التحوّلات القادمة التي سيشهدها المشهد الثقافي في الجزائر والذي سيترك لفاعليه يبنونه أو يهجرونه بقدر ما تبقّى فيهم من إرادة حياة وإصرار على الفعل، فيبدو أنّ أموال الدولة ستصرف في إنعاش قطاعات أخرى تعتبر دوماً أكثر أهميّة وخطورة من قطاع ثقافي عومل دوماً بمنطق توظيفي لصالح الأيديولوجيات الغالبة. أمّا عن القطاع الخاص الذي يعوّل عليه عز الدين ميهوبي اليوم فلسنا نعرف نحن الجزائريون المواطنون البسطاء أي رجل أعمال جزائري "بقّار"* يعني" يملك من الجرأة الانتحاريّة التي تجعله يزهق أمواله في قطاع مازال يحتاج فيه المُخرِج إلى تراخيص من وزارة المجاهدين حتى ينتج فيلماً عن الثورة!
"ما زالنا بعاد..!" ...والمعوّل اليوم على مغامرات بسيطة وجريئة سيرتادها من المؤكّد الفاعلون الثقافيون الشباب على سبيل المحاولة والمجاسرة على كسر احتكار السلطة للفعل الثقافي.
غير أنّ القادم الثقافي دوماً أبهج طالما انهار سعر البترول، وانتهت بذلك مبرّرات البذخ الثقافي الكريه في الجزائر!
* بقّار يعني بائع البقر؛ وهي كلمة دارجة في الجزائر صارت تطلق على الأغنياء الجدد البعيدون كلّ البعد عن الثقافة!
