بتهمة ازدراء الأديان وخدش الحياء العام. فياض، بدوي، ناجي وآخرون.. سجناء التعبير ينتظرون الحرية في البلدان العربية
Mar 2016شاعر يدخل في مشادة كلامية بسبب مباراة على شاشة تلفاز في أحد مقاهي السعودية ليجد نفسه موقوفاً إثر شكوى كيدية ومواجهاً لتهمة الإلحاد بسبب ديوانه الشعر "التعليمات بالداخل" الصادر عن دار الفارابي 2008، ومهدداً بالسجن لمدة 4 سنوات ثم تشديد العقوبة لتصل إلى الإعدام قبل تخفيفها إلى 8 سنوات.
هذه أبرز المحطات القضائية التي امتدت على أكثر من 3 سنوات ونصف مرت بها قضية الشاعر الفلسطيني أشرف فياض، والذي لا يزال إلى يومنا هذا خلف قضبان السجن.
العالم ينتفض بلغة الشعر
على امتداد محطات قضية أشرف فياض، الشاعر والتشكيلي الذي أشرف على معارض فنّية في جدة وبينالي البندقية والعضو الفاعل في مبادرة Edge of Arabia الفنية، لم يقف نشطاء المجتمع المدني والمثقفون حول العالم مكتوفي الأيدي، إذ لم تتوقف الدعوات المتضامنة مع الشاعر أشرف فياض والمطالبة بالإفراج الفوري عنه والمنددة بمحاكمة أي كان بذريعة التعبير عن الرأي.
أبرز حملات التضامن والتي سبقت تخفيف حكم المحكمة من الإعدام إلى السجن لمدة 8 سنوات، كانت يوم 16 كانون الثاني/ يناير 2016، حيث شهد العالم في ذات الليلة 121 أمسية شعرية في 43 دولة حول العالم بتنظيم من مهرجان الأدب الدولي في برلين، وبالتعاون مع العديد من المهرجانات الأدبية والفعاليات والمؤسسات الثقافية والفنية في الدول المشاركة ومنها فلسطين، الوطن الأم لفياض، والتي شهدت 6 أمسيات شعرية.
وفي 17 كانون الثاني/ يناير 2016 تم إطلاق حملة دولية تطالب اليونسكو التدخل لدى السلطات السعودية للإفراج عن الشاعر الفلسطيني أشرف فياض ووقف حكم الاعدام الصادر بحقه.
لم تنحصر الأصوات المنددة بعقوبة الإعدام بخارج السعودية، بل شهدت الصحافة السعودية المحلية نشر عدد من المقالات ومنها مقالة الكاتب خلف الحربي في جريدة عكاظ السعودية يوم 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، والتي جاء فيها: "هل استعانت المحكمة الموقرة بخبراء في الأدب والشعر كي تتأكد أن الشاعر كان ملحداً عند كتابته هذه العبارة أو تلك؟، هل حاول القاضي الاستئناس برأي وزارة الثقافة والإعلام باعتبارها الجهة المختصة من الناحية الفنية عن محتوى الديوان؟، أم أن المسألة كانت خاضعة لذوق القاضي الشعري الذي لا نقلل منه ولكننا لا نراه جازما في تحديد شكل الرؤية الشعرية التي يستحق صاحبها عقوبة الإعدام؟".
تتالت حملات الدعم والتأيييد توازياً مع الجهود القضائية الحثيثة في المحكمة حتى أسفرت يوم الثلاثاء 9 شباط/ فبراير 2016 عن قرار المحكمة العليا في أبها بإلغاء حكم الإعدام بتهمة الردة، وحكمت عليه عوضاً عن ذلك بالسجن 8 سنوات و800 جلدة.
وقال عبدالرحيم اللاحم محامي أشرف فياض في بيان إعلامي عقب الحكم الصادر اليوم "إن المحكمة أكدت ارتكاب المدعي عليه الفعل الموجب لحد الردة ودرء الحد عنه، كما حكمت عليه بالسجن 8 سنوات و800 جلدة، مع إلزام المتهم بإعلان توبته مما كتبه وإعلان ذلك في وسائل الإعلام".
وَأضاف اللاحم بأنهم في لجنة الدفاع أبدوا اعتراضهم على الحكم الجديد، وتقدموا بطلب للإفراج عن المتهم، مشددين على قناعتهم ببراءة فياض من كافة التهم المنسوبة إليه وسلامة مركزه القانوني.
ادعموا أشرف. ادعموا الحرية.. حملة دعم عالمية جديدة للشاعر أشرف فياض
لم تتوقف الحملات التضامنية بعد إسقاط حكم الإعدام على أشرف، بل أخذت شكلاً أكثر تنظيماً وبدأت بتركيز الاهتمام على طرح مسألة حرية التعبير إلى العلن مجدداً.
ففي شهر آذار/ مارس وعقب تخفيف العقوبة، أطلق مجموعة من الناشطين الحقوقيين والثقافيين حملة لدعم الشاعر السعودي أشرف فياض عبر الانترنت ووسائط التواصل الاجتماعي بعنوان "ادعموا أشرف. ادعموا الحرية".
بحسب القائمين عليها، تهدف الحملة، التي اعتمدت اللغة الانجليزية للتواصل، إلى تعريف أشرف خلال فترة سجنه بما يجري في المشهد الفني والثقافي في العالم، ولتوجيه رسالة لأشرف القابع خلف القضبان إلى أنه لن يكون منسياً.
يتيح الموقع الخاص بالحملة لجميع الفنانين والفاعلين الثقافيين من حول العالم تحميل أخبار عن مشاريعهم الفنية ليتمكن أشرف من الاطلاع عليها خلال فترة سجنه.
قامت هذه الحملة بتفعيل استخدامها لجميع وسائل التواصل الاجتماعي المتاحة، بدءاً بموقع الكتروني، وصفحة مخصصة على موقع فيس بوك، وحساب على موقع تويتر، وقناة على موقع يوتيوب، فضلاً عن حساب خاص على موقع انستغرام.
أشرف ليس الوحيد
قضية أشرف فياض ليست الوحيدة من نوعها في المملكة العربية السعودية، إذ أعادت قضية أشرف إلى الأذهان قضية المدون السعودي رائف بدوي الذي ينفّذ حكماً بالسجن لمدة 10 سنوات بعد اعتقاله عام 2012 وصدور الحكم عام 2013 بتهمة مخالفة نظام مكافحة جرائم المعلوماتية السعودي بإنشاء موقع إلكتروني يمس النظام العام وهو موقع الشبكة الليبرالية السعودية الحرة عام 2006.
في حالة رائف، لم تفلح جميع الجهود الحقوقية والدبلوماسية من تخفيف العقوبة، وفي ظهورها الأخير على وسائل الإعلام بتاريخ 2 آذار/ مارس 2016، قالت إنصاف حيدر زوجة رائف إن حالته الصحية والنفسية "سيئة" وأعربت عن أملها بإمكانية صدور عفو عن زوجها المحكوم بالسجن عشر سنوات وبألف جلدة بتهمة الاساءة للدين الاسلامي، إلا أنها أوضحت أنه لا أدلة على العفو وأن الحكم بحق بدوي لم يتغير.
السعودية ليست الوحيدة..
عدد كبير من الأنظمة العربية تحاسب المثقفين والنشطاء المدنيين بتهمة ازدراء الأديان أو خدش الحياء العام،
فخلال عامي 2015 و2016 كانت مصر، على سبيل المثال، مسرحاً للعديد من القضايا التي ألقي فيها القبض على العديد من الكتاب والمبدعين وقدموا للمحاكمة، بداية من قضية الإعلامي والباحث إسلام البحيري، الذي حكم عليه بالسجن لمدة عام بتهمة ازدراء الإسلام، مروراً بقضية الكاتبة فاطمة ناعوت، التي حكم عليها بالسجن ثلاث سنوات بتهمة ازدراء الإسلام أيضاً، ثم القبض على رسام الكاريكاتير إسلام جاويش بتهمة إهانة رئيس الجمهورية، ووصولًا لقضية الراوئي الشاب أحمد ناجي الصحفي بجريدة أخبار الأدب الذي حُكم عليه فيها بالسجن لمدة عامين بتهمة خدش الحياء العام، إثر نشره لأحد فصول روايته "استخدام الحياة".
وليس بعيداً عن التضييق على حرية التعبير، وفي ما عرف في مصر بقضية التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني المعروفة برقم 173 لسنة 2011، أصدر قاضي التحقيق يوم 20 آذار/ مارس 2016 نص المذكرتين رقمي 107 و108 إلى محكمة جنايات القاهرة لاستصدار قرار بمنع كل من المحامي جمال عيد مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان وزوجته وابنته القاصر، وحسام بهجت مؤسس المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، من التصرف في أموالهم.
بين جميع هذه الأسماء ومن بين تفاصيل وحيثيات كل قضية، وبين بنود الدستور التي تكفل حرية الإبداع للمواطنين وتصونها وبين صلاحيات السلطات التنفيذية التي تعتقل المبدعين وتحاكمهم بتهم فضفاضة يصعب التكهن بحدودها، يعود السؤال الجوهري مجدداً للبروز. كيف يمكن لقوانين وتشريعات البلدان العربية التعامل مع تلك المساحة التي تتداخل بها حرية التعبير قولاً وإنتاجاً ونشراً مع الأعراف والتقاليد المجتمعية ومقدسات الشعوب؟
