هل هناك تنمية بدون ثقافة؟
Oct 2016بلال العبودي
مختصّ بمجال السّياسات الثّقافيّة والتنمية
قبل أن أبدأ كتابة هذا المقال كنت مشاركاً في القمّة الدّوليّة للثّقافة بأدنبرة (24-26 آب/ أغسطس 2016) والذي كان موضوعها الثّقافة من أجل مجتمعات متماسكة. وقبل ذهابي إلى هذه القمّة وحتّى قبل حصولي على البرنامج فقد توقّعت من خلال العنوان المبرمج ذلك السيناريو الذّي سأراه و الذّي سبق أن رأيته في كلّ مرّة يتمّ ربط مصطلح "الثّقافة" بمحور يندرج ضمن ما يعرف مصطلحاً بالـ"تنمية". حيث لاحظت في عدّة ملتقيات شاركت فيها وكانت ذات عناوين تصبّ في خانة المحاور المرتبطة بـ"التنمية" منها على سبيل المثال الثقافة والتنمية المستديمة، الثقافة والسّلم الاجتماعي، "الثّقافة والتنمية الاقتصاديّة، التقاطعات بين الثّقافة وميادين أخرى... إلخ، بأن يدعو المنظّمون فنانين ذو جمعيات أو مختصين في مجال معيّن (مثال الأطباء أو المهندسين) أو خبراء من منظّمات دوليّة لتقديم عدّة أمثلة حول تجارب اعتمدت الفنون أو التّراث لمساعدة فئات أو مجتمعات محلّية على تحقيق مكاسب ملموسة سواء في مستوى الدّورة الاقتصاديّة أو في مستوى الوضعيات الاجتماعيّة والتّي كانت سيّئة نسبياً قبل هذه التّجارب. ولم يخب ظنّي عندما شاركت في قمّة إدنبرة، حيث اتّسم برنامجها بثراء المواضيع المطروحة وبتعدّد التّجارب الدّوليّة النّاجحة التّي أبرزت دور "الثّقافة" –سواء من خلال الفنون أو التّراث في الرّفع من مستوى التنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة للمجتمعات المستفيدة من المشاريع أو التدخّلات المرتبطة بالثّقافة والتّي كرّست بدورها الحقوق الثّقافيّة للأفراد من خلال مشاريع تنمويّة، ولكن يبقى السّؤال الرّئيسي المطروح: وبعد؟
فشكراً للطبيب الّذي استعمل الموسيقى الكلاسيكيّة لإعادة الثّقة لفئة من المتشّردين في الشّوارع وشكراً للفنّان الذّي ساعد عدّة يافعين في مدينة قصديريّة فأعطاهم آلات تصوير أو آلات موسيقيّة وأقام لهم معرضاً أو جعل منهم فرقة موسيقيّة تدور العالم وتأتي شهرتها أنّهم جاؤوا من مدينة قصديريّة وكأنّهم يحملون تلك الصّفة إلى الأبد وكأنّ "الثّقافة" جاءتهم كـ"مخلّص" من الحياة التّي كانوا يعيشونها لو بقوا في مدينتهم. شخصيّاً، لا أسمح أن تكون مأساة أحدهم مادّة للاستغلال من أجل الشّهرة أو الحصول على تمويل لجمعيّة أو للعمل الفنّي وأغلب الأحيان تكون هذه المبادرات من أشخاص لا ينتمون إلى المجتمعات التي ستستفيد منها. هناك نادراً بعض التجارب الحقيقيّة في باب "الثّقافة والتنمية" والّتي نبعت من مبدعين وفنانين من المجتمعات التّي ينتمون لها ولكن كيف علمنا بها؟ فإمّا من خلال خبير أو مكلّف بدراسة اكتشفها صدفة أو من خلال فنّان أو جمعيّة أراد أحدهما أن يقوم بمشروع مغاير للسّائد واكتشفها.
لم أرد أن يكون هذا المقال ذو صبغة علميّة أو تقنيّة بمجال علاقة الثّقافة والتنمية، لأنّ هناك العديد من المراجع و البحوث والفيديوهات والنّظريات التي ربطت الفنون أو التّراث بالتنمية وكذلك العديد من الإعلانات الدّوليّة والاتّفاقيّات الدّوليّة التّي ربطت الثّقافة بالتنمية، ولكن، فإن أبرز ما أراه في هذا المجال الجديد حول الثّقافة والتنمية بأنّه بدأ يتحوّل تدريجيّاً إلى ضجيج على المستوى الدّولي قد يغطّي مستقبلاً أيّ محاولات حقيقيّة لربط الثّقافة (كفنون وتراث) مع مجهود تحسين الظّروف الحياتيّة وتقليص مستوى الغبن الاجتماعي الذّي تعيشه عدّة شرائح عمريّة أو اجتماعيّة. فهذا الغبن الاجتماعي المتأتّي من إقصاء الشّريحة العمريّة أو الاجتماعيّة سواء بعدم سماع حاجياتها، وخاصّة الثّقافيّة منها، وعدم احترام خصوصيّاتها في منوال التنمية سيؤدّي تراكمه حتماً إلى تصادم اجتماعي يهدم كلّ ما بنته منظومة ما يعرف بـ"التنمية" من تطوّر اقتصادي أو اجتماعي، وهو ما كان في اندلاع شرارة ما يعرف بـ"الرّبيع العربي" من خلال فئة الشّباب قبل أن تركب عليه المصالح الجيوسياسيّة.
هل يعلم أحد عدد المشاريع التّي فشلت دولياً نظرا لعدم الأخذ بالخصوصيات الثّقافيّة للمجتمعات المستهدفة؟ هل تمّ حقيقة قياس تأثير أيّ مشروع ثقافي على تحسين الإحساس بالأمان لكلّ مشارك فيه أو لكل مستفيد؟ هل يمكن قياس "نبض" الحركة الثّقافيّة في مجتمع ما والتأكّد من عدم وجود احتقان اجتماعي حقيقي بين الفئات الاجتماعيّة أو العمريّة؟ هل يمكن الإبقاء على المؤشّرات الاقتصاديّة ومنها الماليّة ونسب التّشغيل لاحتساب تأثير الفنون والتّراث في أنموذج التنمية؟
من منظار تحديد السياسات الثّقافيّة تختلف الطّرق التي يتمّ فيها ربط الثّقافة بالتنمية، وذلك حسب زاوية النّظر التّي تعتمد في تحديد العلاقة بينها. فمن خلال زاوية النّظر الاقتصاديّة يمكن رِؤية تتابع مصطلح "الصناعات الإبداعيّة والثّقافيّة" كركيزة للنموّ الاقتصادي الجديد المرتبط بالفنون والتّراث، ولكن هل هناك البنية التحتيّة اللازمة؟ هل هناك آليات تمويل؟ ولكن الأهمّ هل هناك نفس إبداعي مستمرّ يكون نواة لهذه الصّناعة؟ وفي حالة اعتماد زاوية النّظر الاجتماعيّة يمكن رؤية تتابع المصطلحات منها التّماسك الاجتماعي، السّلم الاجتماعي، حقوق الأقلّيات، حقوق الفئات الهشّة، حقوق المرأة والطّفل، حقوق اللاجئين، مكافحة الإرهاب... إلخ، وفي كلتا الزاويتين يتمّ اعتبار الثّقافة كأداة وليست كزاوية نظر أخرى يمكن بها رؤية التنمية.
لماذا لا يمكن ربط التنوّع الثّقافي مع حجم الإنتاج الثّقافي في مجتمع ما حسب الشرائح العمريّة مثلاً؟ لماذا ليست هناك مؤشّرات ثقافيّة في مشاريع التنمية؟ لماذا ليست هناك دراسات تحضيريّة قبل إنجاز أيّ مشروع للتنمية يلمّ بالحاجيات الثّقافيّة للمستفيدين من المشروع؟ لماذا يتمّ إنجاز دراسات حول التأثيرات البيئيّة لمشروع ما وليست هناك دراسات حول التأثيرات الثّقافيّة؟ لماذا لا يتمّ تغيير منوال التنمية ككلّ بناء على الخصوصيّات الثّقافيّة لمجتمع ما؟ لماذا لا تدرج الحقوق الثّقافيّة في مشاريع التنمية؟ لماذا لا يُدرج الفنانون مؤشّرات جديدة في مشاريعهم (القضاء على الفقر، استرجاع الذّاكرة الجمعيّة، تطوير التقنيات الجديدة من خلال المعارف التقليديّة)؟ الأسئلة كثيرة والإجابة عنها أصعب، ولكنّ أعتقد أنّها ستكون محاولة جدّية لخلق زاوية نظر جديدة للتنمية تعتمد الثّقافة والمعارف المرتبطة بها كمرجعيّة، وعندها ستكون التنمية متنوّعة.
في الأصل هناك عدّة محاولات جدّية في هذا الاتجاه، ولكن لا تزال تحتاج إلى كثير من البحث ومنها أداة أرادت أن تبرز هذا التوجّه في مرحلة تاريخيّة معيّنة وذلك في سنة 2001 بعد الإعلان العالمي حول التنوّع الثّقافي بمنظّمة اليونسكو وهي ما يسمّى بـ البرمجة من خلال عدسة التنوّع الثّقافي Cultural Diversity Programming Lens. وكانت تهدف إلى نشر استعمالها ضمن منفّذي مشاريع التنمية على مستوى المنظّمات الأمميّة من خلال اعتماد العناصر المرتبطة بالتنوّع الثّقافي، ولكنها لم تلق الرّواج المطلوب، وهذا ليس لأنّها غير فاعلة، بل لأنّها كانت ستجعل من عمل كلّ منفّذ مشروع أو برنامج تنمية أكثر دقّة وحساسيّة مع العناصر الثّقافيّة وستكون مصدراً للإزعاج للجميع لأنها كانت ستبرز النّقائص الحقيقيّة في كلّ مشروع تنمية لا يأخذ بالثّقافة ضمن عناصره. هناك مثل من الشيلي يقول "الله يشفي والطّبيب يقبض الثّمن"، وبالنسبة للمشاريع التنمويّة الناجحة هناك حتماً عنصر ثقافي ساهم في نجاحها، ولكن لا أحد يعلم ذلك أو لا يريد الاعتراف ذلك. و يبقى السّؤال قائماً: متى سيتم الاعتراف يوماً بأنّه ليست هناك تنمية بدون ثقافة؟
