كل شيء ممكن، فلنجازف سويّاً
Nov 2016جوليان عرب – فاعلة ثقافية ومديرة لقاء IETM في بيروت
في صباح يوم الخميس 6 تشرين الأول/ أكتوبر 2016، ووسط توافد المشاركين الأول إلى مركز اللقاء الفرعي للشبكة الدولية لفنون الأداء المعاصرة IETM، تهمس صديقة في أذني قائلة "من يراك اليوم يخالك تحتفلين"، ابتسمت إيجاباً وتابعت انهماكي دون أن أمعن التفكير بملاحظتها.
كثيرة هي الآراء والانطباعات التي بقيت معي بعد أيام اللقاء الأربعة التي جمعت أكثر من 200 فنان ومؤثر ثقافي من حول العالم دعماً لحرية التعبير، ولا زلت حتى اليوم أدوّرها وأقلّبها. ليس بهدف ترتيبها - فخلافاً لما قد يظنّه البعض، تريحني الفوضى أحياناً!- بل لأنها تذكّرني بالسّبب الأساسي الذي دفعني إلى تنظيم هذا اللقاء في بيروت إلى جانب حنان الحاج علي ويدفعني في كل مغامرة ثقافية أخوضها.
منذ بدأت العمل في القطاع الثقافي أجدني محكومة بمراقبة كل وضع ومقارنته بالوضع الآخر المحتمل. في البداية، كانت مقاربتي تطال مشاريع، برامج، مؤسسات، مبادرات، إلى أن ازددت قناعة أن كل شيء يبدأ باللقاء بين شخصين، وأدركت أن حالة اللقاء بالآخرين، التي لطالما سحرتني، ليست مجرد اندفاع ساذج بل هي مشروع بحد ذاته. طبعاً، لهذا المشروع حدّين، أحدهما ليس بعيداً عن الهوس! فكلما رأيت شخصين يتحدثان، تراودني أسئلة من نوع: ماذا لو تمكّنا فعلاً من الإصغاء، هل كان ليتغيّر حديثُهما؟ ماذا لو لم يعرفا شيئاً عن بعضهما، أين كانت لتأخذَهما مساحة اللقاء؟ ما الذي يمنعهما من اكتشاف أن ما يختلفان عليه ليس سوى الفكرة نفسها بكلمات مختلفة؟...
تكمن تحديات العمل على اللقاء بالآخرين كمشروع في صعوبة خلق مساحات تهيّئ المشاركين للانفتاح والإصغاء والجهوزية لإعادة النظر وتجديد الذات. أول لقاء شاركت فيه للشبكة الدولية لفنون الأداء المعاصرة كان في العاصمة الدنماركية عام 2012، ولم أفوّت أي لقاء للشبكة بعدها. تتميز شبكة IETM في شكلها وبنيتها ونشاطاتها بمرونة وقدرة على التكيّف تشبه تلك الخاصة بلقاء بين شخصين للمرة الأولى: كل شيء ممكن، فلنجازف سويّاً.
حقق اللقاء في بيروت آثاراً كثيرة: التضامن الدولي والنشاطات التي نظّمت في أكثر من عشرة بلدان ضمن الحملة الدولية لحرية التعبير، الدعم المعنوي والمحفّز لفنانين تجرّؤوا وتحدّوا حدود الرقابة خلال اللقاء (حنان الحاج علي في عرض "جوغينغ - مسرح قيد التطوير" وديغول عيد في فيلمه الممنوع "شو صار" وغيرهما)، تبنّي وزير الثقافة اللبناني مشروع قانون يهدف إلى رفع الرقابة المسبقة عن الأعمال المسرحية، التكثيف الفكري الذي أنتجه تجمّع فاعلين ثقافيين من حول العالم إلى جانب فاعلين محليين يصعب عادة جمعهم، الحاضنة الإعلامية والشراكات المحلية التي لولاها لما رأت هذه الفكرة الضوء، بذور المشاريع الناتجة عن اللقاء التي بدأت تظهر ومنها اللقاء المقبل في مراكش عام 2017… نعم، كلها أسباب تستحق أن نحتفل جميعاً، أما الأهم فهو التأكيد على رغبة تجديد اللقاء، وأعلم اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أنّنا كثرٌ نتشارك هذه الرغبة.
